مجموعة مؤلفين

228

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

حين يستعرض الباحث نظرية التوحيد وتطورها في الفكر الإسلامي ، وخاصة في الأوساط السّنية ، يجد أنها شغلت دورا هاما عند فرق ثلاث من الإسلاميين ، وكانت مجالا رحبا لنشاطهم العلمي وتفكيرهم الديني : وهم المعتزلة والسلفية والصوفية . فكل فرقة من هذه الفرق خلفت للأجيال بعدها ، حول مشكلة التوحيد ، محصولا فكريا وعلميا يمتاز حقا بالعمق والشمول والأصالة . ويستطيع مؤرخ الفكر الإسلامي أن يجد من خلال آراء كبار رجال الاعتزال والسلفية والصوفية ، فيما يخص مبدأ التوحيد ، ظواهر واقعية لتفكير إيجابي ألفت مواده من موضوعات إسلامية بحتة ، وصيغ منها نظرية عامة أمكن تطبيقها على جوانب كثيرة من الحياة الدينية والأخلاقية والاجتماعية . كان رجال الاعتزال ، على ما يظهر ، أول من أثار مشكلة التوحيد في العالم السنىّ ، كما كانوا من أوائل رجال الفكر الإسلامي الذين أرسوا دعائم هذه الخطيرة على أسس علمية ثابتة . ثم هم بعد ذلك جاهدوا مخلصين في سبيل تطبيق مبدئهم التوحيدي ، على مسائل عديدة في الإلهيات والأخلاقيات والاجتماعيات . فنحن نعلم أن مقالة المعتزلة في التوحيد كانت أولى مقالاتهم الخمس التي لا يتم وصف الاعتزال إلا بها والدفاع عنها . وهي مع التوحيد : والعدل ، والوعد والوعيد ، والمنزلة بين المنزلتين ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . ومما تجدر ملاحظته في هذا الصدد ، أن مقالة التوحيد عند المعتزلة لها صلات وثيقة بمسألة خلق القرآن ونفى الصفات عن الباري ؛ كما هي أيضا مرتبطة بمقالتهم في العدل الإلهى وحرية الإنسان . وهذا ما أردنا التنويه بذكره فيما سبق : وهو أن فكرة التوحيد ، التي هي لاهوتية في جوهرها ، كانت عند المعتزلة ( وغير المعتزلة من المفكرين الإسلاميين ) أساسا لحلول نظرية تتعلق بمسائل أخلاقية واجتماعية . أجل ! إن المعتزلة لم يبتدعوا القول بالتوحيد ولم ينفردوا بالإشارة به ، إذ هو عقيدة المسلمين جميعا . غير أنهم تميزوا فعلا عن سائر الطوائف